مشاهد من استمطار رحمة الله

لله -جلَّ جلاله – كما تعلمنا صغارًا (100) رحمةً ، أنزل منها رحمة واحدة بيننا ، كما في حديث الحبيب ﷺ

في صحيح مسلم عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

إن لله مائة رحمة ، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام ، فيها يتعاطفون ، وبها يتراحمون ، وبها تعطف الوحش على ولدها ، وأخَّر الله تسعا وتسعين رحمة ، يرحم بها عباده يوم القيامة 

 مسلم / 6908 .

و الله – سبحانة وتعالى- هو الرحمن الرحيم ، وهو أرحم الراحمين الذي وسعت رحمته كل شيء ، قال تعالى :

 ورحمتي وسعت كل شيء

 الأعراف / 156

ومشاهد رحمة الله بعبادة كثيرةً يصعب المقال لحصرها ، ولست هنا بصدد ذكرها ، فنحن من قبل أن نتكون لنصبح  نطفاً في أرحام أُمهاتنا ، ونحن نتقلب فيّ رحمته ، إلى أن ندخل الجنة -بإذن لله- ونحن بكنفّ رحمته ، فاللهم لا ترفع عنا غطاء رحمتك وحنانكّ وراعنا بإحسانك ، وامننّ على الجنانّ بثباتك وأسبغ عليه ، رضاك حتى يلقاك ، إنك وليّ ذلك والقادر عليّه ..

ليس ما يشدني حقيقةً رحمة الله بنّا ، وإنَّ كانت نعمة نحن غافلون عن شُكرها ، وإنما ما أخذ بتلابيب قلبي وجعلني أُجري القلم وأسنّ شفيرته ، هو مشاهد صادفتني أثناء قراءتي ، في بعض الكتب والآثار لبعض العارفين بالله ، وهم يستمطرون رحمته ، ويتوددون إليه بصدقٍ ، عله يرحمهم ويغفر لهم !

*نستفتح المشاهد ، بقوم يونس -ﷺ- لما تابوا إلى الله -عزوجل- عملوا صنيعًا أوقفني وأدهشنيّ 💔، لعل الله يرحمهم ويقبل توبتهم ، ياترى ما صنعوا ؟!

قام قوم يونس بعد أن ذهب عنهم نبي الله يونس غاضبًا و وعدهم أن يأتيهم العذاب خلال ثلاث ليالٍ ، مسهم طائف من عذاب الله ، كما قال لهم نبيهم ، فعلموا أنهُ واقع بهم ففزعوا إلى الله وتابوا إليه ، وقيل إنهم :

“خَرَجُوا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ : تَلُّ الرَّمَادِ وَتَلُّ التَّوْبَةِ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ تَلَّ الرَّمَادِ لأَنَّهُمْ خَرَجُوا جَمِيعًا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْعَوَاتِقُ ، وَأَخْرَجُوا مَعَهُمْ أَنْعَامَهُمْ وَبَهَائِمَهُمْ ، فَمَيَّزُوا بَعْضَ الْمَرَاضِعِ وَأَوْلادِهَا ، وَالْبَهَائِمِ وَأَوْلادِهَا ، وَجَعَلُوا الرَّمَادَ عَلَى رُؤوسهم، وَوَضَعُوا الشَّوْكَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ، وَلَبِسُوا الْمُسُوحَ وَالصُّوفَ ، ثُمَّ اسْتَجَارُوا بِاللَّهِ 💔 ، وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْبُكَاءِ وَالدُّعَاءِ ، فَعَلِمَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْهُمُ الصِّدْقَ ، فَقَالَتِ الْمَلائِكَةُ : يَا رَبِّ ، رَحْمَتُكَ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، فَهَؤُلاءِ الأَكَابِرُ مِنْ وَلَدِ آدَمَ تُعَذِّبُهُمْ ، فَمَا بَالُ الأَصَاغِرِ وَالْبَهَائِمِ ؟ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا جِبْرِيلُ ، ارْفَعْ عَنْهُمُ الْعَذَابِ ، فَقَدْ قَبِلْتُ تَوْبَتَهُمْ ، يَقُولُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ : (فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) سورة يونس آية 98 “

–  تفكرّ معي قليلاً ، خرجوا بأنعامهم وبهائمهم وأولادها ، قليّ بربك ، ماشأن الأنعام بتوبتهم ؟!

لم يقف بهم الحد عند هذا بل عزلوا الأم عن طفلها، والشاة عن صغارها ، لكي لو لم يرحمهم الله ، يرحم الصغار والبهائم 💔 ، ووضعوا الرماد على رؤوسهم ، قمة الذل! ، ووضعوا الشوك  تحت أرجلهم ، ولبسوا الصوف والمسوح ، “كانت المسوح عبارة عن نسيج خشن، مصنوع عادة من شعر الماعز الأسود، وكان ارتداؤه غير مريح بدرجة كبيرة ، وكان الرماد يدل على الخراب والدمار ، و لباسهم يدل على الحزن والتوبة” ، وقد علم الله صدق توبتهم وندمهم ، فتاب الله عليهم …
– ونعرج على قصة يوسف -عليه السلام- ، حينما رماه إخوته بالبئر ، جاء بالآثار أن يوسف حينما أُلقيَّ في غيابة الجب ، أخذ يستدرُ (رحمة الله) فرفع الله -جلَّ وعلا-  دعاء يوسف للملائكة فسمعت الملائكة دعاء يوسف وهو يومئذ ابن سبع سنين ، فقالت الملائكة : ربنا الصوت صوت صبيّ والدعاء دعاء نبيّ ، أي أن الصوت صوت غلام صغير ، أما الفاظه التي يناجي ربه بها لا يعرفها إلا الأنبياء !

– وحينما حضرت عمر -رضي الله عنه- الوفاة ، وهو خليفة رسول الله ، وصاحبه ، ولو كان نبي بعده لكان عمر !

دخل عليه ابن العباس في مرضه الذي قُبض فيه فقال له: يا أمير المؤمنين ، أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله حين خذله الناس ، وقُتلتَ شهيدًا ، ولم يختلف عليك اثنان وتوفي رسول الله وهو عنك راض. فقال له: أعد مقالتك ، فأعادها ، فقال-رضي الله عنه-: المغرور من غررتموه ، والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس ولا غربت لافتديت به من هول المطلع ، وكان رأسه رضي الله عنه وأرضاه على فخذِ ابنه عبدالله بن عمر، فقال : ضع رأسي على الأرض ، فقال : ماعليك كان على الأرض أو كان على فخذي ؟!  فقال له : لا أم لك ، ضعه على الأرض علّ الله ينظر إلي فيرحمني 💔

– هذا عمر صاحبُ رسول الله يقول هذا ، فما شأني وشأنك! -اللهم تداركنا برحمتك-

 الإنسان الحذق يسأل نفسه كيف يستدر و يستمطرُ رحمة الله -عزَّ وجل- ؟

وهو من أعظم العلم أن يُعطى العبد دراية وإدراك كيف يستدر رحمة ربه عزَّ وجل ..

ونبينا صلى الله عليه وسلم أجمل فقال: إنما يرحم الله من عباده الرحماء ، وقال من لايرحم لا يُرحم !

ورحمة الإنسان لمن حوله تجلبُ له رحمة الله -جلَّ وعلا- كما أخبر رسولنا !

و من الطُرق التيّ ذكرها بعضُ العارفيّن لاستمطار رحمة الله -عزَّ وجل- :
أولاً: أن يدرك العبد أنه فقير كل الفقر إلى رحمة الله ، ويدرك عظمته وقدره ، وأنه مهما أوتي من أسباب الدنيا ونال فإن ذلك ليس بجاعله منفكًا عن الفقر إلى رحمة الكبير المتعال ، والعباد في ذلك سواء ، فلا أحد على وجه الحقيقه مستغنيًا عن الله -جلَّ وعلا- طرفة عيّن ولا أقل من ذلك ، فإذا كان الملائكة العظام ،الكرام الذي يحملون العرش يحملونه وهم يسبحون حتى يُشعروا من يراهم ، أنهم هم الفقراء الى رحمة الله ، و ليس حملهم للعرش بأنهم قادرون عليه ، وإنما هم يحملون العرش بقولهم: “لاحول ولاقوة إلا بالله”، فلما قالوها قدروا على أن يحملوا العرش وهم والعرش كلاهما فقير كل الفقر إلى رحمة ربنا تبارك اسمه وجلا ثناؤه.

ثانيًا: انكسار القلب لله وأن يعلم العبد في غدوه و رواحه إن وفق لطاعته ، ما وفقه إلا الله ، وإن أحجم عن معصية فما نصره وعصمه إلا الله ، وإن وقعت منه المعصية يعلم يقيننا أنهُ لن يغفرها إلا الله.

ثالثًا: أن يحسن الإنسان كيف يناجي ربه .

رابعًا: الإحسان إلى الخلق وكف الأذى عن الناس .

خامسًا: المكانُ الخليّ والصوت الخفيّ .

سادسًا: الإكثار من دعوة ذي النون والحوقلة فكلما أكثر المرء منها كان لمطلوبه أقرب .

-هذه كلها طرائق وأسباب يستدرُّ بها العبد رحمة رب الأرباب -جلَّ جلاله- يحرصُ المؤمن عليها.

و لتعلم إنَّ من توفيق الله أن يدُلك على ما تستدرُّ به رحمته تبارك اسمُه وجلَّ ثناؤه ..

الحديث عن رحمته -جلّ وعلا- حديثُ ذو شجون .

ما إن تستمعُ إليه ، حتى يرقَّ قلبك وتسبل دمعتك ، وتتمنى أن لا ينقضي ، كيف لا ! و هو حديث عن رحمة مالك الدارين وربُ العالمين رحمنُ الدنيا والآخره ورحيمهما💛🌿.

اقرأ ما شئت..
‏من دواوين الشعراء..
‏وما خطته أنامل الأدباء منذ تاريخ الدنيا
‏عن كلمات تلامس الرّوح وتجلب الأمان
‏لن تجد ألطف ولا أحن ولا أبرد على قلبك من قول الله -ﷻ-

‏{سَلامٌ عَلَيْكُم كَتَبَ رَبُّكُم عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}

* اتركك مع هذه اللطيفه وبها أختم حديثيّ :

بقلم:عَليّه الجهني

Leave your vote

Add to Collection

No Collections

Here you'll find all collections you've created before.

منصة راسل
Logo