ما عذرُ من يمرُّ به يومٌ؛ لم يُغفَر له.؟

ما عذرُ من يمرُّ به يومٌ؛ لم يُغفَر له.؟

لقد طوَّق الله يومَ المسلمِ بموجبات المغفرة؛ ولم يبقَ إلا لزومُها؛ والتسامعُ والتذكير بها؛ والموفَّقُ من ألهَمه الله رُشدَه؛ فأنت منذ استيقاظك حتى تنام محفوفٌ بأسباب المغفرة؛ وصدق القائل ﷺ (وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالِكٌ).
فمنذ تسمعُ نداء الفجر وما بعده من فروض؛ ينتظركَ قولُه ﷺ (من قَال حِينَ يَسْمَعُ الْمُوَذِّنَ: أَشْهدُ أنْ لا إِلَه إِلا الله وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضيتُ بِاللهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالإِسلامِ دِينًا، غُفِرَ لَه ذَنْبُهُ).
فإذا توضأتَ وجدت بانتظارك قوله ﷺ «من توضأ فأحسن الوضوءَ خرجت خطاياه من جسدِه. حتى تخرجَ من تحت أظفارِه». وبإحسان الوضوء وإتمامه ومتابعة السنة فيه تضمن مغفرة ما يتخلل صلواتك من هفوات؛ قال ﷺ «مَن أتمَّ الوضوءَ كما أمرهُ الله تعالى فالصَّلواتُ المَكتوباتُ كفَّاراتٌ لما بينَهنَّ».

ثم إذا خرجت من بيتك للمسجد وجدتَّ بانتظاركَ قوله ﷺ «من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الجماعة أو في المسجد غفر الله له ذنوبه». وقولَه ﷺ «مَن رَاحَ إلى مَسجدِ الجماعةِ فَخُطوةٌ تَمحو سَيِّئةً، وخُطوَةٌ تَكتَتِبُ لهُ حَسنةً، ذاهِبًا ورَاجِعًا».
وإذا كنت ممن اصطفاه الله لأداء صلواته جماعةً مع المسلمين؛ وصليتَ خلفَ إمامكَ وأمنتَ بعد فراغه من قراءة الفاتحة وجدتَّ بانتظاركَ قوله ﷺ وبشارتَه لك «إذا أمَّن القارئُ فأمِّنوا، فإنَّ الملائكةَ تُؤمِّنُ، فمن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكةِ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه».
ثم إذا استفرغتَ وسعكَ في إحسان الوضوء والخشوع والصلاة؛ بحيث لا يسرقها منك الشيطان في جوَلان الفكر بكل مجال؛ والتزمت بالخشوع فيها غُفر لك. قال ﷺ «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله».
فإذا سلَّمت ولم تغفل عن أذكار دبر الصلاة؛ غُفر لك أيضا كما يقول ﷺ «من سبَّح الله في دُبُرَ كل صلاة ۳۳، وحمد الله ۳۳. وكبر الله ۳۳؛ فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر».
فإذا دخلت الصلاة التاليةُ غُفر لك ما بينَ صلاتَيْكَ كما يقول ﷺ «ما من امرئٍ يتوضأ فيُحسِنُ وضوءَه، ثم يصلي الصلاةَ إلا غُفِرَ له ما بينه وبين الصلاةِ الأُخرى، حتى يُصلِّيَها». فالمحافظُ على الصلاة مطمئنٌّ إلى مغفرة الله له ما بين الصلاتين؛ فصلاته كالماء يطفئ الله بها حرائق إثمه.
وإذا مكثتَ في مُصلَّاك بعد أيِّ صلاةٍ غَفَر الله لكَ بدعاء الملائكة لك؛ لقوله ﷺ «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، ما لم يحدث، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه». وإذا تنفَّلتَ في بيتكَ أو مسجدكَ حُطَّت بنافلتكَ خطاياكَ؛ وبقدر كثرة سجودك تتحاتُّ ذنوبك حتى لا يبقى عليك منها شيء؛ لقوله ﷺ «إنَّ المسلمَ يُصلِّي وخطاياه مرفوعةٌ على رأسِه، كلما سجد تحاتَّتْ عنه، فيفرغُ من صلاتِه؛ وقد تحاتَّتْ خطاياه».

كل هذا في الوضوء والصلاة وأذكارها؛ ومع ذلك أسباب يومية تتكرر علينا عدة مرت ويوجب الله بها المغفرة. لن يمرَّ بك يومٌ أو ليلةٌ دون أن تلقى لكَ أخًا تصافحه؛ وبذلك يغفر لكما كما قال ﷺ «ما مِنْ مسلِمَيْنِ يلتقيانِ فيتصافحانِ، إلَّا غُفِرَ لهما، قبلَ أنْ يَتَفَرَّقَا».
وإذا طعِمتَ وحمدت اللهَ أو لبستَ وحمدته غفر لك ذنوبك بحمده؛ قال ﷺ «من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدّم من ذنبه؛ ومن لبس ثوبًا جديدًا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدَّم من ذنبه».

وفي كل صباح ومساء يفتح الله لك باب المغفرة بعمل يسير لا يستغرق دقيقتين؛ قال ﷺ «من قال إذا أصبح ۱۰۰ مرة وإذا أمسى مائة مرة سبحان الله وبحمده غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر». ومن أراد معاينة التوفيق والحرمان؛ فليتأمل عناية الله بمن يوفقه لهذا الذكر؛ وعدم توفيقه لمن يهمله.
ولن تشهد مجلس علم وذكرٍ لله؛ وتقوم منه حتى يُغفر لك ما تقدم؛ قال ﷺ «ما جلس قوم يذكرون الله عز وجل إلا ناداهم مناد من السماء: قوموا مغفورًا لكم قد بُدِّلت سيئاتكم حسنات»
وإذا رجعت لبيتك وأويت إلى فراشك؛ كانت مغفرة الله بانتظارك؛ قال ﷺ «من قال حين يأوي إلى فراشِه: لا إلهَ إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، ولا حول ولا قوةَ إلا بالله، سبحان اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا الله، والله أكبرُ. غفرت له ذنوبُه»
ولن يخلو لك يوم أو ليلةٌ من كدَر ومغَمَّة سببُها ألمٌ أو مكرضٌ أو إخفاقٌ أو تعقيد معاملة؛ ولكن من وراء هذه المواجع والهموم مغفرة الله وتطهير صحيفتك؛ قال ﷺ «ما يُصيب المؤمن من شوكة فما فوقها، إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة»

والمقصِّرون في حقك المسيئون إليك؛ تستطيع اسثمارهم في استنزال المغفرة؛ خصوصا من اعتذر منهم وندم؛ فالله وعدك المغفرة إذا غفرت لهم؛ قال ﷺ «ارْحمُوا تُرحَمُوا، واغْفِرُوا يُغفَرْ لكُمْ، ويْلٌ لأقماعِ القولِ، ويلٌ للمُصِرِّينَ الذين يُصِرُّونَ على ما فعلُوا وهمْ يَعلمُونَ»
وإن وافقت ثلث الليل الآخر تحت أيِّ ظرف؛ فأمامك باب المغفرة المفتوح الذي لا يخيب المُطَّرح على أعتابه؛ قال ﷺ «يَنْزِلُ ربنا تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا، حينَ يَبْقَى ثُلُثُ الليلِ الآخرِ، يقول: من يَدعوني فأَستجيبُ لهُ، من يسألني فأُعْطِيهِ، من يَستغفرني فأغفر له»
وفي صفقك بالأسواق ومعاملاتك التجارية؛ تستطيع نيل المغفرة بخُلُق السَّماحة واللين؛ بحيث تبيعُ بلين وتشتري برِفق؛ وتطلبُ ممن استدان منك برفق؛ فقد رغَّب ﷺ الباعة والمشترين وأصحاب الديون؛ فقال «غفرَ اللهُ لرجلٍ كان قَبلَكم؛ كان سهلًا إذا باعَ، سهلًا إذا اشترَى، سهلًا إذا اقْتضَى»
والنفع العامُّ لأمة محمَّد ﷺ موجِبٌ عظيمٌ لمغفرة الله؛ فقد غُفر لرجُلٍ بسببه؛ قال ﷺ «بينَما رجُلٌ يمشي بطريقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ على الطريق، فأخَذَهُ فأخَّرَهُ، فشكر اللهُ له، فغَفَرَ لهُ» فكيف بمن يزيح عن طريقهم إلى الله الغفلةَ والجهل بأحكام العبادة ومعاني القرآن والسنة.؟
وسقي الماء سبب للمغفرة؛ قال ﷺ: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر، فملأ خفه ماء؛ ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر اللهُ له، فغفر له» وحين سأله الصحابة متعجِّبينَ من كونِ سقاية الكلاب سبب مغفرة الذنوب؛ فقالوا رضي الله عنهم: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرا؟ فقال ﷺ «في كل كبد رطبة أجر» فكان جوابه ﷺ عاما؛ ليفيد أن سقاية الماء يؤجَر صاحبُها؛ ولو سقى كافرًا أو بهيمةً أو غيرهما؛ ما دامت كبده تيبس بفعل العطش.

أما سقي المسلم فأعظم عند الله وأحبُّ؛ قال ﷺ 《وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ اللهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ》. فتنافسوا في السقيا، بادر من في مكتبك، وبادر أهل بيتك وعيالك، وبادر كل من تستطيع، ولك – إن شاء الله – هذا الوعد الصادق على لسان نبينا ﷺ.

قال القرطبي في استفتاء سعد بن عبادة للنبي ﷺ في انتفاع أمه بالصدقة عنها، وقوله ﷺ (نعم، وعليك بالماء): دل على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى، وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء. وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب، فكيف بمن سقى رجلا مؤمنا موحدا وأحياه.

وها هنا قصة وعبرة في أثر سقيا الماء في المعافاة من الأمراض، وقد تكرر مثل هذه القصة كثيرا. pic.twitter.com/jnMhyaG0VF

— أبو زيد الشنقيطي (@mkae2) September 11, 2019

وتقدير ظروف المحاويج والمعسرين وكشفُ كُرَبِهم؛ أنقذ رجُلا مُفلِسًا من الخير فغفر له. حكى ﷺ #قصة رجل يوم القيامة يقول: (رب، ما كنت أعمل خيرا غير أنه كان لي مال، وكنت أخالط الناس، فمن كان موسرا يسرت عليه، ومن كان معسرا أنظرته إلى ميسرة). فقال له الله: (أنا أحق من يُيَسّر، فغفر له)

بقلم: أبو زيد الشنقيطي

منصة راسل
Logo