ماذا لو ؟

ماذا لو ؟

بقلم: سائح في الوجود 

 

الحمدلله رب العالمين ..

والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين ..

أما بعد ..

أمراض مزمنة تنتشر .. بركة منزوعة .. اضطرابات نفسية .. مصائب تتوالى .. هموم تتلاحق .. صدور ضيقة .. مشاكل أسرية دائمة .. عقوق وقطيعة عمياء .. عنوسة مؤرقة .. غلاء فاحش .. طلاق يتصاعد .. زوبعات حياتية تتصارع .. أمن يرحل ببطء .. غذاء ومال يتقلص .. هموم وغموم بعدد الأنفاس ..

والضحية ذلك الإنسان ..

ما السبب ؟

لحل هذه الأزمة لنسأل أنفسنا من الذي خلق هذا الكون ؟ من الذي صنع هذه النفس ؟ من الذي أبدع هذا الصدر وهذه الروح وتلك الجمجمة ؟

من الذي يهيمن على ذرات الهواء .. وأمواج البحار .. وحفيف الأشجار .. وحركات الرمال .. وعملية الزفير والشهيق ؟

إنه الله المهيمن ( وله كل شئ ) ( خالق كل شئ )

إن هذا الخلق له منظومة متكاملة و ( برمجة ) ربّانية الإخلال بها يؤدي إلى ما سبق من أزمات ومصائب ومشاكل ..

تخيّل معي لو أنّ البشر في الأرض كلها اتفقوا على أنّ يغيّروا طبيعة حياتهم فيجعلوا نومهم في النهار وشغلهم ومعاشهم في الليل على عكس قول الله ( وجعلنا الليل لباسا . وجعلنا النهار معاشا ) .. هنا ستبدأ الأزمات وستكثر المصحات النفسية والعقلية وستنشط مصانع الأدوية في تصدير المهدئات والمنومات وسيرتفع معدل الجريمة والموت المفاجئ والأخلاق ( التجارية ) المزمنة ..

سيكون عمل الجهاز الأمني بأعلى مستوياته على مدار الساعة لمعدل النوبات الحادة من المشاكل في جنس البشر وعمل المؤسسة الطبية أشد في ذلك .. هذا إذا افترضنا أن المسؤول عن أرواح الناس وأمنهم خارج عن هذه الحسابات ..

هذا ما نتصور حدوثه في تغيّر يخالف الطبيعة البشرية فكيف بأمر يخالف مبدع هذه الطبيعة البشرية وصانعها بل ويخالف النفس البشرية السويّة التي لا تزال تقبع في صندوق الفطرة السليمة ..

مجرد مخالفة النظام الكوني ظهرت الكوارث والنكبات على المخالِف وأكبر منه مخالفة النظام الشرعي والتنكب والانزلاق عن هدي الوحي وطريق الطاعة الذي يدفع فيه المخالِف ( فاتورة ) تهدد حياته الدنيا ومصيره الأخروي ..

الذنوب هي سبب لمصائب الدنيا والآخرة .. ينغمس المرء في حمأة الذنوب والمخالفات لله العظيم فيحرق نفسه ويحرق الكون من حوله بذنوبه في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي قال عليه الصلاة والسلام ( نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسوّدته خطايا بني آدم ) فهذا أثر الذنب على الحجارة والرمال والهواء والماء وعلى المجموعة الكونية جمعاء فكيف بأثرها على النفس والقلب والحياة والعلاقات ..

إنها كوارث ماحقة على الإنسان لو علم ..!

الذنوب سبب للهلاك وقصر العمر ( فأهلكناهم بذنوبهم وأنشانا من بعدهم قرنا آخرين )

الذنوب سبب للمصائب على المستوى الشخصي والعام ( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم )

الذنوب سبب للهزائم والنكسات ( أولمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم )

الذنوب سبب لتبدل الحال والأخذ على غرّة ( فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قويّ شديد العقاب )

الذنوب سبب لفساد الطبيعة ومواردها ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس )
فأصبح الهواء خانقا والماء ممرضا والأرض موحشة ..

الذنوب سبب للأمراض الفتاكة والمستعصية ففي الحديث الذي رواه ابن ماجه ( ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ) وهذا مشاهد اليوم أن الزنا لما انتشر غزت الناس أمراض لم تُعهد من قبل ..

وتكملة الحديث ( ولا نقصوا المكيال والميزان إلا ابتُلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان ) أي بظهور الغش في المعاملات والخراب الاقتصادي سيُبتلى الناس بالقحط والغلاء وقلة المال وظلم الحاكم وهذا كلّه من أثر الذنوب فالقلوب والأمور بيد الله فمن خالفه فقد تعس وانتكس ..

وماذا لو خفف المرء من ذنوبه .. ما النتيجة ؟

( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض )
بركات تلاحق أهل الإيمان والتقى تغمرهم حتى وإن كانوا في ضيق حال .. البركة هي العدسة المكبّرة لكل قليل ..

ويقول الله تعالى ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم )
لوجدوا الطعام والشراب الذي يعيش ربع سكان الأرض اليوم تحت خط الفقر فلا طعام ولا شراب ..

ويقول الله تعالى ( وألّوا استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقا )
ماءً عذبا زلالا يرتشفون صفوه .. وهذه الآية تفيد أن صفو الحياة والعيش بصفو العلاقة مع الله .. وأنّ الاستقامة هي صفاء الأوقات من المخالفات فكان جزاؤها صفاء الحياة من المؤلمات ..

وتأمل كيف أثر الطاعة على النفس وتطويعها للكون يقول الله تعالى ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا . يرسل السماء عليكم مدرارا ) فانظر كيف طوّع الله السماء لعباده المستعفرين المنيبين ( ويمددكم بأموال وبنين ) وهذه أثرها على النفس بهبات محسوسة من الكريم القدير ثم قال ( ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ) وهذه آثار الطاعة على البيئة وكيف تجلب الطاعة مرافق الحياة الممتعة ..

إن الذنوب أشبه ( بفيروسات ) تأكل جهاز المناعة للنفس البشرية فتركسها وتدمدمها في الضياع .. والطاعة هي الدرع الواقي والحصن الحامي من ذلك كله ..

أمان الأرض وتأمين الحياة وطمأنينة النفس وسكون الروح لا يكون إلا بالله وطاعته ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) وخبش النفس وتخبطها ودمارها لا يكون إلا بالذنوب والله غفار لمن تاب وأناب وعمل صالحا .

منصة راسل
Logo