صُنْ قَلبكَ قبل أن يتَعلَّق ، فيَعلق

 صُنْ قَلبكَ قبل أن يتَعلَّق ، فيَعلق 

بقلم: بلقيس الكثيري

يأتي التعلق على مراحل، أوله مساس بالأمر، ثم تشبثٌ به وتمسّك، ثم قبض عليه قبضاً شديداً مع عدم تقبّل فكرة زواله في يوم ما.

وبقدر ما يمتلئ وعاء القلب بأمر، كان التعلّق به أكبر، فمن كان قلبه عامر بالله ممتلئ به، كان تعلقه به أكبر، ومن سكنت الدنيا قلبه واستحوذت عليه، غلب عنده حب الدنيا وما فيها على تعلقه بالله.

ومعروف أن حيّز القلب لا يسع الاثنين، إنما يزيح أحدهما الآخر حتى يطرده.

ومن جملة ما يتعلق به الناس دونًا عن الله، التعلّق بسبب من الأسباب، أو بالمال والولد، أو بالدنيا، أو بشخص، أو بعالِم دين، أو بأحد من الصالحين أو بحاكم مما يقود إلى المغالاة في تقديره وتنزيهه، والغلو في طاعته واتباعه حتى لو ظهر حياده عن الحق.

فمن مساوئ التعلق المذموم أنه يعميك عن رؤية الصواب من الخطأ، ويؤخرك عن نصرة المظلوم على الظالم، وقد يجعلك تركن إلى الأسباب وتغفل عن واجدِها الذي أوجد كل شيء.

أما التعلق بالدنيا فيشغلك عن غاية خلقك ويصرفك عن طلب الآخرة وهذا أمر معروف.
وشدة التعلق بالمال والولد قد يفتنك وقد يلهيك، فإذا حصلت خسارة لأحدهما وقع في القلب سخط يزعزع في المرء إيمانه.
وكأننا نجهل أن هذه الأرواح أمانات إلى صاحبها تُرد.

أعرف أرملة فقدت قبل أشهر ابنها الوحيد وهي ترتب لتزويجه، فعزلت نفسها عن الناس، وكأنما هي أقسمت ألا يراها أحد من بعده.
وعلى النقيض رأيت من أمهات الشهداء من لم تملك أمام أمر الله واصطفائه سوى أن يلهج لسانها بحمد الله شاكرة محتسبة، وقلبها يعصره الوجع.

وهناك من يتعلق بالأسباب، حتى يكاد يستغني بها عن المُسبب، فيصرفها الله عنه، كما يقول الإمام الشافعي رحمه الله: “إن الله يغار على قلب تعلق بغيره، فيصدك عن ذاك ليردك إليه”.

وكذلك ذكر ابن القيم رحمه الله: “من تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به، وخذله من جهة ما تعلق به، وفاته تحصيل مقصوده من الله عز وجل بتعلقه بغيره والتفاته إلى سواه”.

وقال: “ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت”.

وإذا عدنا إلى تعريف التعلق السالف الذكر، رأينا رابطاً لطيفاً بين معنى التعلق من حيث التمسك وقول الله عز وجل في محكم التنزيل:
{فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }(الزخرف 43)

فسبيل التعلق بالله إدامة الوصل بينك وبينه؛ صلاةً وذكراً وتسبيحاً ، وتدارساً وتدبراً لكتابه، وكلما دام الوصل، زاد التعلق.

وفي قوله عز وجل: { وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (لقمان 22)

انظر إلى التعقيب في آخر الآية: (وإلى الله عاقبة الأمور)، لتنفض بها فكرة التعلق بغيره من أشياء زائلة وتتمسك بالذي يبقى؛ وإن هذا التعلق ليستغني به الفقير عن الناس فيغنى، ويستقوي به الضعيف فيقوى، ويُستسقى به الظامئ فيُروى حباً وقناعة وتسليماً.

ولا بد للمؤمن أن يتجرّد من فكرة التعلّق بغير الله، ذاك التعلق المبالغ فيه الذي يغويه، فهذا التعلق المذموم مما يفسد القلب ويجعل على البصر غشاوة، ويقود العقل إلى سوء تقدير، والجوارح إلى سوء تصرف.

يقول الله عز وجل:
{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ }

لاحظ قوله (إلا رسول)، في هذه الآية توطين التعلق بالله وأنه الأصل، لا التعلق بغيره ولو كان نبيًا رسولًا.

وفي سياق ذلك أذكر أنني قرأت قبل أيام ما تناقله البعض في مواقع التواصل حول: أن ما يصيب الدعاة من رجوع عن الحق، يورث لدى ضعاف النفوس المتابعين لهم، تشكك في الدين ويقودهم إلى انتكاسة.

وهذا إنما كان أساسه من التعلّق بشخص الداعية لا بالحق الذي بين يديه، وعدم التجرد للحق هو ما يقود للانتكاس.

فأن يقودك تعلقك بداعٍ  أو شيخ إلى التنطع، ثم إذا جانب الرجل الصواب لعبت بك موجة الشك، فراجع نفسك وتفقد إيمانك، واعلم أن الحق أحق أن يتبع ، وما هكذا تورد الإبل.
فما هؤلاء إلا بشر، أحدهم يخطئ ويصيب، ولا عصمة لنا ولا لهم إلا أن يتغمدنا الله برحمته وعنايته.

إن الخروج من دائرة التعلّق بالأشياء والأشخاص والأماكن، إلى دائرة القبول والتسليم بالحقائق، والرضا التام بالقضاء والقدر، ينقي يقينك ويزيده رسوخًا، ويبقيك في منطقة الأمان التي تنقذ فيها نفسك من الانهيار، وتقيها شر الصدمات وتحافظ على ثباتك في الأزمات!

أما إن كنت عند كل مصاب تجزع، ويغويك هوى نفسك أن تكون للحق متبع، فعلى رسلك؛ الدنيا ما صفت لأحد، وكل ما فيها زائل لا محالة، لا يحيد عن حقيقة الرحيل عاجلًا أو آجلًا، وإنك ستمتحن وستبتلى فاصبر.

أقول قولي هذا فما أصبت فمن الله وما أخطأت فمن نفسي والشيطان ،والله المستعان.

منصة راسل
Logo