شَعثٌ لا يَلمُّه إلا اللَّه

شَعثٌ لا يَلمُّه إلا اللَّه

بقلم :  بلقيس الكثيري

يقول الله سبحانه في كتابه العظيم: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)
وصية بالمداومة على العبودية بما تنطوي من إيمان وعمل حتى الموت، وهنا بداية القصة وأصلها ومنتهاها.
قدّم حياتك بما تمر به من هبوط أو صعود، قربان عبودية لله، والقربان إذا قُدِّم لا يسترجع، أنخ حاجتك عنده؛ وحط رحالك في حماه، ثم ابشر.

خلق الإنسان في كبد فهي حياة مكابدة ومشقة، يكابد فيها مضائق الدنيا وشدائد الآخرة؛ فإياك أن تركن إلى الدنيا لئلا تتوه، ولا تأمن جانبها فتلهى، ولا تجزع لمصابها فتهلك.

يقول أبو الحسن التهامي في قصيدته:
طُبعتْ على كدر وأنت تريدها
صفواً من الأقذار والأكدار
فالعيش نوم والمنية يقظة
والمرء بينهما خيالٌ سار

إن العمر إذا قَصُر قلنا هو بمثابة كتيّب، معدودة صفحاته، وإن طال فمجلد، ثقيل، بين دفتي بداية ونهاية تطوى صفائحه، وينقضي…
هب أن ما تشعر به من تعب استهلك من المجلد صفحة، أو عشر صفحات أو لنقل فصل أو اثنان، أتشك أن هذه الصفحات ستنطوي؟! بل لا بد من انطوائها حتى تبلغ نهاية الكتاب.

ومعروف لدى العالِم والجاهل أن هذه الدنيا لا راحة فيها؛ فاستعن بالله ولا تعجز. وإن غلبك التعب فاذكر ما قال يعقوب عليه السلام لبنيه: صبر جميل والله المستعان.

وهكذا فما تهون مصيبة، ولا يستصغر مصاب جلل إلا إذا قارعه صبر المؤمن ويقين المحتسب فغلبه. ولو تجسّد الصبر شيئًا لمسح على رؤوس المتعبين وبشّر، فهذا وعد ربهم “وَبَشِّرِ الصَّابِرِين”

والصبر ليس بصفة تُرجى فتكتسب، فقد قال الحسن: “الصبر كنز من كنوز الجنة لا يُعطيه الله إلا لعبد كريم عنده”. فهو منزلة عظيمة لا يرقى إليها إلا من وفقه الله وأعانه.
استعن بالله ولا يصيبك وهن أو عجز، فالوهن يترك في النفس خرقًا، ولا بد أن يرقع الخرق ويحاك بخيط الصبر والإيمان قبل أن يتسع.

تأمل قول ابن القيم رحمه الله وأعد قراءته مرارًا: « إن في القلب شعث : لا يلمه إلا الإقبال على الله، وعليه وحشة: لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن : لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق: لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات : لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه ، وفيه طلب شديد: لا يقف دون أن يكون هو وحده المطلوب ، وفيه فاقة: لا يسدها إلا محبته ودوام ذكره والإخلاص له، ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدا!».

وأن تستعن بالله يعني أن تركن إليه في ثلاث أمور: جلب المنافع ودفع المضار والصبر على المقدور، مع الثقة بقدرة الله المطلقة، والإقرار بعجزك وضعفك أمام قوته وجبروته.

وما دمنا ذكرنا الاستعانة، فكيف هو تطبيقها، وتحقيقها في الواقع؟ وما الوسائل المعينة على الاستعانة؟ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة : 45]
تأمل كيف اقترن بذكرها الصبر و الصلاة، ولكن ليس أي صلاة؛ بل الصلاة المحققة شروطها وأركانها الجالبة للخشوع.

وكان التعقيب في آية أخرى تأكيد معية الله عز وجل للصابرين، قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة : 153]

في الآيتين أعلاها ورد الأمر بالاستعانة (استعينوا)، وذُكر بعدها الصبر مباشرة للدلالة على الارتباط الوثيق بينهما…

لكن مع ما يحدث من نكبات وويلات لهذه الأمة، كيف يطيق أحدنا صبرًا؟ هنا الجواب:
{قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف128]

أمر الله بالاستعانة به في صد عدوان فرعون وملأه، ثم الصبر، ثم الوعد المحقق بأن العاقبة للمتقين، فلا تبتئس.

فنقول لكل متعب صابر قول النبي صلى الله عليه وسلم للجبل الذي رجف: اثبت أحد! وقوله للصدّيق: لا تحزن إن الله معنا!

اليقين يورث في القلب سكينة، تواكب بها الظروف مهما ساءت في هدوء، دون أن تبدي امتعاضًا أو كآبة وكأن كل الأمور تسير في صالحك وهذا هو حال المؤمن أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ.
ولا ينبغي للضيف أن يغتم إن فاته في دار مضيفه شيئًا، وعليه أن يتأدب بآداب الإقامة، ولا أرى إلا أننا في هذه الدار ضيوفًا، مرتحلين مهما طال بنا المقام، لا حق لنا فيها ولا نحمل من متاعها شيئًا، فعلامَ الامتعاض؟!

منصة راسل
Logo