تعليق على الجذرية وما بعد الثورة

في تعليق على مقال بعنوان ” الجذرية وما بعد الثورة” كتب عبيدة عامر 


بتصوّري أن البعد الجوهري الذي يستبطن وتستبطنه الجذرية الثورية هو البعد الشخصي/ الفردي، بكون أن كل عمل ثوري هو عمل شخصي، بداهة وبداية، مما غيّب آفاق العمل السياسي العام بناء على استراتيجيات وسياسات ومصالح ومفاسد.. الخ، وحوّل الثورة لـ”طوبيا رومانسية” تحولت لنوستالجيا لاحقا ..

هذا البعد الفردي يحضر الآن لدى الشريحة الشبابية العاملة -التي شاركت بكل ما تملك بلحظة ما- كتعبير دائم عن الغضب والعدمية واللامبالاة ومحاولة الهروب من اللاجدوى والبحث عن المعنى. هذا البعد خيار شخصي تماما، ومحق لأي أحد، لكن يجب التأكيد على أنه كذلك فقط، أي أنه قد لا يكون ثوريا.

بكلمات أخرى؛ قد يكون الفعل الثوري في هذه اللحظة البائسة هو عكس ذلك تماما، أي أن كل ما يمكن ويجب أن يفعله الشاب الذي كان على الجبهات لسنوات هو أن يدرس/ يعمل/ يستقر ويضمن استقرار أهله/ .. الخ، من ناحية، ويقرأ/ يتعرف/ يتعلم/ .. الخ كمرحلة انتقالية ضرورية بين معركتين..

الإشكالية أن هذا الفعل الطبيعي، المعاكس تماما للجذرية، هو التعبير الأمثل بهذه اللحظة عن اللاجدوى والمحفز الأكبر للشعور الدائم باللانتماء والاكتئاب والتناقض الدائم ما بين الذاتي والموضوعي.

كحل شخصي، أحاول دائما الهرب من “النوستالجيا” إلى “الأبوكاليبس” -كطرفي نقيض- بوضع هذا الفعل الطبيعي اليومي كمرحلة – لا نهاية – مؤقتة وضرورية لمرحلة أشد قسوة وضراوة، قادمة – لا محالة -، كتفريغ علاجي ضروري للدفع بإمكانية استمرارية الحياة وحسب.

هذه المجازية لا تقتصر على الفضاء الكلامي واللغوي والنفسي، لكنها تحمل -ويجب أن تحمل – كذلك شيئا من السياسية والواقعية، بمعنى أن المنطقة -ولله الحمد- تحمل كل بذور الانفجار الاجتماعي والسياسي والعسكري والأمني، محليا وإقليميا، وكل ما علينا هو الاستعداد لاستغلال ذلك الانفجار القادم.

بموازاة ذلك؛ يمكن العمل الآن على “السردية”؛ على رواية ما جرى، لا كبكائية على طلل أو نوستالجيا أو مذكرات سياسية؛ وإنما كدرس للقادم ومصدر بيانات خام بإعادة طرح لكل الأسئلة الثورية، الجذرية منها والسياسية، والتي تلح الحاجة لها اليوم.

بجانب ذلك؛ هناك حاجة ملحة لفهم ما جرى ويجري لمعرفة العمل على ما سيجري؛ بالعمل على “المعلومات” بجانب السردية؛ الفضاء الواجب المتاح الذي ساهمت “الجذرية” بجعلنا ضحيته -كثوريين- من جميع الأطراف، بعدم معرفتنا شيئا عنّا أو عن المجتمع أو عن النظام، واختزال ذلك بالشعارات والرموز.

منصة راسل
Logo