بينَ أفياءِ الآياتِ وظلالِ الواقع

 بينَ أفياءِ الآياتِ وظلالِ الواقع

(وقفة مع سورة يوسف)

 بينَ أفياءِ الآياتِ وظلالِ الواقع

نصحو يومياً على نَفَسِ ذلكَ الصَّباحِ المُشرقِ بشمسهِ ونضارته، لنرتديَ مَلابسَنا ونخرجَ من هذا الفناءِ الضّيقِ إلى سعةِ الضجيجِ، من هذه البيوت القديمِة إلى تلكَ الشوارعِ المهترئةِ.

إشراقةٌ يوميةٌ يعيشها بعضنا، نجعلها خواطرٌ على أرصِفةِ الذكرياتِ.
نُسابقُ خطواتنا بعَبرة، وعَبراتِنا بزفرة، وزفراتِنا بشكوى، وحالها ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) ، نعم إلى الله وحده .

زفرةٌ طويلةٌ تستغرقُ دقائقَ كثيرةً من سُويعاتِ الحياةِ، التي تتفتحُ فيها الأوجاعُ ، ويَسرقُ بها الإيمانُ القلوب عند تدَبَّر أجملَ القصصِ وأحسَنَها.
تُرى كَم مكثَ يُوسُفُ في البئرِ !؟
هل عاشَ حياتَهُ بمشقةٍ تكوي المؤمنين لولا غيثٌ من الصَّبرِ كما نعيشها اليوم !؟

والكثيرُ من الأسئلةِ التي لنْ تجدَ لها جواباً إلَّا في قلبكَ وفي جب الحياة المظلم.

ركِبت سيارة النقل التي أتعبتها الطرقات القديمة المتصدعة، أنهكتها لكثرة ما سارت على ذات الطريق ، فتراها بضوء مكسور وبابٍ لا يُحكمُ إغلاقه والهواءُ البارد يدخلها من كل زاوية ، وقفتها كوقفة يوسف في البئر ربما ، ويكأن أيضا لحظة الفرج اقتربت عندما بدأت تلك السيارة بالمسير تماما ربما كـ ( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ ).

انعطفت بنا تلك السَّيارةُ المتهالكةُ نحو حفرةٍ صنعتْها طائرةٌ روسيةٌ في طريقنا الصَّباحِي.
ليأتِي ذَلكَ الجزءُ الذي يَكلمُ الفُؤاد بالدِّماءِ ويشحذ على مقلِ العيون دموعاً خجلةً لا تخرج خوفا من أن يراها أحد الراكبين عندما نَمرُّ على ذلكَ الإخاء الفاجر، الإخاء المظلوم ، الذي جعل الأخوة جميعهم يشتركون فيه على أخيهم وأصغرهِم (يُوسُفُ).
تُرى أَلَمْ يَحرقْ فؤادَهُ فِعلُ إخوتِه وكيدُهم  رغم صغرِ سنِّه!؟
كيفَ استطاعَ الصَّبرَ بعيداً عمن يشدُّ أزره !؟

فجأة مرت في خاطري مقولة : (فاقدُ الشيء لا يعطيهِ) فعلمْتُ أنه يعطيه ..!، كيف بذلك القلبِ المُتعَبِ من مشقَّاتِ الحياةِ وانعدامِ الإخاءِ أنْ يستأمِنَ قلبَ أخيهِ الصغيرِ فيقولُ لَهُ : ( إنِّي أنا أخُوكَ فلا تبتئِس) ،
نعم في الحقيقة أن فاقد الشيء يعطيه عندما يدرك معناه وأهميته وقيمته كما فعل ( يُوسُفُ ) عليه السلام.

ثم مضينا مروراً أمامَ مسجدٍ مقصوفٍ فاستَبقَني صُورة رأيتها في واقعي أن امرأة سقطت شهيدة أمام المسجد عند قصفه، ليَدوي في قلبي : ( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) ، وهي أيضا اختارت أن تعيش في مكان مهددة فيه بالموت قتلاً وهي عزيزة شامخة بدينها ، نعم لسان حالها ربي الموت أحب إلي مما نعيشه من الذل والخنوع .

ثم استلمت السيارة ذلك الطريق الذي تتوسطه سكَّةٌ حديديةٌ يسيرُ النَّاسُ عليها لأنَّ القطارَ لم يعُد يمُرُّ ، حتى السكة لم تعد موجودة .
ذلكَ القطارُ الذي مرَّ على تلك السِّكة يوماً فشَحَذت تلك السَّكاكين التي جعلت كيدَ النّساءِ القولي عظيمٌ بعملهن ، جعلهنَّ يُقطعنَّ أيَديهنَّ، فنمر على سكاكينِ الغصَّةِ التي نعيشُها يومياً ولكن ما عسانا نقول إلا : (إنَّ الله معَ الصَّابِرِّين) .
أيُّ جمالٍ ذاكَ الذِي وَهبَّهُ الله إيَّاهُ وزَيَّنهُ بالإيمانِ والحيّاءِ !؟
أليسَ ذلكَ جمالُ الصَّابرين وسعادةُ المُحتَسبيِّن !؟

ثم خرجنا إلى الطريق السريع الجميل مروراً بأطلالِ تلةٍ تكثُرُ حولها الأراضِي الخضراء  الجميلة ،فأيُّ خضارٍ ذلكَ الذِي جعلهُ بعدَ عناءٍ ومجابَهةٍ لكيدِ النِّساءِ ودخولٌ للسِّجن أنْ يجلسَ ليستمِيلَ قلوب السجناء فيسمعُ منّهم ويُحسِّن دّعوتُهم لِربِّه في تلك الزَّوايا الضَّيقة من تلكَ الغُرفة.

إنَّها حقاً سُجونُ الراحةِ الواسعةِ في نطاق الجَنَّةِ؛ تلكَ دُروبُ الدَّعوةِ الشَّائكةِ التي تَثقل عليكَ الطَّريق لا لصُعوبَتِها وشّدَّتها ، إنَّما ليخلصَ بها قلبك وتَصْفى بها نفسك وتَضجّ بِها رُّوحَك بالإيمانِ .

(فَمَّا حَصَدتُّم فَذرُوه في سُنْبِله) ، ومَا زرعنَاهُ هُنا نَحصدُّه هناكَ في سنْبله يَومَ القيامَة.
كيف لا وقدْ حَصْحَصَ الحقّ على القلوبِ فجعلها جريئةً على نُطقه والعمل به رخيصةً لله، فهذا طريق كل حر ثائر ، لم يرضى لنفسه الذلة والخنوع والصغار.

وما بعد كل بئر وكل محنة إلا  فرج ورفعة ، واليوم نحن في الجب وغدا نكون أعزاء بإذن الله وعونه وفضله كما كان يوسف عزيز مصر .

وعندَ هذا وصلت السَّيارةُ إلى هدَفِنا وتفنّدت العبرة.

بقلم: آفاق سائح

منصة راسل
Logo