النسوية | الحقل الملغوم

هناك حوار على صفيح من نار منذ فترة حول النسوية خصوصا بعد الحراك الاجتماعي والسياسي في السعودية وقد كتبت منشورا أحببت مشاركته رغم الحديد والنار في هذا الحقل الملغوم

معارك مصطلح النسوية في الشبكات الاجتماعية في معظمها سذاجة وسطحية ليس إلا!
والمشكلة لا تخص مصطلح النسوية فحسب بل كثير من المصطلحات التي تستدعى من موطنها الأصلي بحمولاتها الثقافية والاجتماعية والفلسفية وزرعها في بيئات أخرى دون مراعاة التالي:


– الحمولات الفلسفية والفكرية التي شكلت المصطلح وكونت ترسانته المفاهيمية!
– التطور التاريخي للمصطلح إذا أدركنا أن العالم الغربي ذو حراك فكري لا يكاد يتوقف إطلاقا فيبتكر الفكرة اليوم وينقلب عليها في الغد!
حصل هذا تماما مع مصطلح الحداثة في عالمنا العربي حين كان مجتمعاتنا العربية في جدل ساخن حول مصطلح الحداثة كان أصحاب المصطلح ينقضونه ب “مابعد الحداثة”  وقل مثل ذلك عن البنيوية وما بعد البنيوية! “عند من يرى بالقطيعة المعرفية”


منذ ثمانينات القرن الماضي تجاوز الغرب مصطلح النسوية وتأثرا بالتفكيك وبما بعد الحداثة دخلوا في مشروع ما بعد النسوية متجاوزين بذلك الطور الثاني للنسوية الذي كان مفهوما راديكاليا ثوريا في معظم طروحاته ضد الرجل كمفهوم.
وكتابات سيمون دوبوفوار فتحت أبواب الجحيم لهذا الطور من النسوية!

وما بعد النسوية هو خطاب نقدي ظهر لنقض وتفكيك الخطاب النسوي ومعالجة كثير  من الخلل والتطرف فيه وتجاوزه وكان من أهم مقولاته نحن مهتمون بالبشر، وينبغي أن تكون الأمور “مناصرة للمرأة دون أن تكون ضد الرجل”.


ومن المؤسف حقا أن الوضع في العالم العربي والسعودي تحديدا يتسم في الغالب بالتالي:
 
 ضعف البناء الفكري والفلسفي لدى كثيرين ممن يتعاطون المصطلح دفاعا أو هجوما مع عدم إدراك للخلفيات الفلسفية والفكرية له.
 بعض من الناشطين والناشطات “خصوصا المعرفات الوهمية” على الشبكات يتبنون الخطاب النسوي في موجته الثانية ويحملن معهم أساليب العداء والشتم وكل شيء ضد الرجل لكونه رجلا
 بعض هذه الحسابات لها أجندات لا علاقة لها بموضوع النسوية وحقوق النساء بل هو مجرد تفجير المجتمع بالصراع.
غاب أو غيّب مع هذا الصخب والنشاز أصوات نسائية معتدلة كثيرة وواعية لهن مشروعهن الحقوقي النبيل الذي يسعى لتمكين المرأة والدفاع عن حقوقها المشروعة في ميادين مختلفة (العمل/الأسرة/المجتمع/القانون) وصرن بين كماشتين:


الأولى: النسويات المتطرفات اللاتي يقبعن في صفوف الموجة الراديكالية إذ ينظرن لهن على أنهن “ذكوريات” ومتسلقات وضد النسوية وأفكارها التحررية وهو نفس الطرح الذي يتبنى فكرة إما أن تكون معنا وإلا فأنت ضدنا!


الثانية: كماشة الطرح المضاد للنسوية “اجتماعي/ديني” والذي يرى في كل ما يطرح من أجل نصرة قضايا المرأة نسوية والنسوية عندهم بعبع ومارد يجب قمعه وتعزيره! وأن من يتبنى الطرح النسوي هن مجندات للخارج وخطر على المجتمع!!


لا عجب أن تكون بعد ذلك هذه المنطقة منطقة ملغومة ويختلط فيها الخابل بالنابل مع انفتاح الشبكات لكل من يريد أن يدلي برأيه وإن كان نشازا ليحسب أحيانا على بريئين منه ومن رأيه


ولا عجب كذلك أن يصبح مصطلح النسوية مصطلحا مشوها أو موشوما كما يعبر الغذامي وغامضا لا يكاد يشير إلى معنى لأنه يحمل الدلالة ونقيضها لتقول الناقدة النسوية بيل هوكس: إنه مصطلح حاليا ليس له معنى محدد! وأن المنهج المستخدم في تعريفه أدى إلى تفريغه من المعنى تماما!


ومع ذلك فالتخلي عنه أصبح من شبه المستحيل بعد أن تغلغل اجتماعيا وأكاديميا بل ظهر مع هذه الموجات ما يعرف ب النسوية الإسلامية.
لذا يمكن أن نشير إلى استراتيجية التعاطي معه خصوصا في الشبكات الاجتماعية:


ضرورة الاستفصال حول كل ما يطرح في الخطاب النسوي لمعرفة دلالة المستخدم للمصطلح ومراده الاجتماعي والحقوقي فمن الظلم الزج بأسماء عرفت بعلميتها وغيرتها على المجتمع والوطن ضمن خطاب مكارثي يجرم كل ما يندرج تحت مسمى عدم مجاراة السفاهات والتفاهات التي تروج لها بعض المعرفات الوهمية في الشبكات تحت لافتات الإلحاد أو النسوية فكثير منها لا تتمتع بالعلمية أو الأخلاقية وهي مجرد إفرازات لحالات خاصة أو معرفات مسيسة ضمن أجندات معروفة!


الناشطات في مجال حقوق المرأة وخصوصا في الفضاء السعودي بالإضافة إلى طرحهم الواعي في مجالهم بحاجة إلى زيادة وعي المجتمع بهدف خطابهم ونوعيته وتطمين كل من لديه تخوف بسبب مقذوفات وإفرازات الخطاب النسوي المتطرف والصاخب

وأخيرا فكل ما نشاهده هو إفراز طبيعي للحراك الاجتماعي الكبير الذي يشهده المجتمع وسيظل ظاهرة إيجابية ما دام مسيجا بالعلم والقيم واحترام الحقوق والمسؤوليات وملتزما بالوحدة الوطنية.

بقلم: عبدالله السفياني

منصة راسل
Logo