المؤامرة وعلاقتها بأخبار الساعة [٢]

بسم الله الرحمن الرحيم ..
والصلاة والسلام على نبيه وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ..أما بعد ..

ما نعيشه الآن هو الجانب الفعلي العملي للمؤامرة وليس النص النظري لها فنحن في بطنها وزحامها وضوضائها فلا نُدرك حجمهما وهولها إلا بمحاولة الخروج منها .

وحتى نُمسك بالطرف الأول منها نشرع من هذا الباب .. جاء في مسند أحمد بسند صحيح عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله:

ما صُنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال

فأخبر الوحي أن الفتن صغيرها وكبيرها صُنعت لفتنة الدجال ممهدة له وخادمة لفتنته .. وهذه الصناعة قد تكون بترتيب وقصد من فاعلها وقد تكون من غير قصد وسيتبيّن بإذن الله كلا الأمرين .

وهل الفتنة هنا من العموم المطلق أو من العام الذي يراد به الخاص ؟

بمعنى هل كل فتنة في المال والأهل والنساء والمنصب والدين هي ممهدة للدجال بقيد القصد أم المقصود أن هناك فتنة مخصوصة على طول تاريخ الدنيا ممهدة للدجال ؟

الجواب والعلم عند الله أنه من العام الذي يراد به الخصوص والخصوص هنا هو فتنة ( الدين ) في الأرض ..

وقد يرد سؤال هنا .. وما وجه الارتباط بين هذه الأديان وفتنة المسيح الدجال ؟

والجواب أنه إذا فُهم الحديث فهما صحيحا ورُوجع الواقع القديم والحديث اضطررنا لهذا القول .. فهذه الهندوسية التي هي أقدم دين كما مزبور في الكتب الرسمية في تاريخ الأديان – مع العلم بمغالطة هذه المعلومة فأقدم دين هو الإسلام – تنتظر منقذها ومخلّصها ( فيشنو ) كي يُريح العالم من هذا الشر الكامن في الأرض .. وهذه الديانة لا يُعلم لها مؤسس أصلا حتى الآن ولا يُعرف مكان نشأتها وهذا يُعطي دلالة ببصمات الشيطان الحسية خلف هذه الديانة بل إن كل الانحرافات نتجت  منها فالبوذية منها وهي مطابقة تماما للنصرانية – الهندوسية – من حيث التثليث كما بيّن الشيخ أبوزهرة وجوه التطابق بينهما في كتابه محاضرات في النصرانية مما يُبرز العلاقة الوثيقة بينهما وفي هذا يقول الله تعالى ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل ) فهؤلاء ضلّوا بسبب تسربات الهندوسية إلى اليهودية والنصرانية عن طريق المذهب الباطني ( الثيوصوفية ) أو المذهب ( القبّالي ) أو ( الكابالا )
وسنأتي عليها بإذن الله ..

حتى حركات التصوف المنحرفة التي دخلت في الإسلام هي من رحم الهندوسية حيث قرن الشيطان وموطنه من جهة الشرق وكل بلاء أتى من جهة الشرق فالعقائد القديمة والحديثة كل جذورها  من تلك الجهة وحتى فتن الأهواء في داخل الدين الإسلامي أيضا من جهة الشرق والدجال ويأجوج ومأجوج من تلك الجهة .

ومن الهندوسية ولدت البوذية وهم أيضا ينتظرون ويرقبون المُخلّص بوذا الذي سيأتي آخر الزمان لينهي مسلسل الشر قبل نهاية العالم .. والهندوسية والبوذية هما ثلث سكان الأرض الآن ..

واليهودية أيضا تنتظر منقذها ( المسيا = المشيا ) وكذلك النصارى تنتظر وأهل الإسلام ينتظرون .. كما قال ابن القيم في إغاثة اللهفان ( والأمم الثلاث تنتظر منتظرا يخرج في آخر الزمان فإنهم وُعدوا به في كل ملّة والمسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى ابن مريم من السماء … وينتظرون خروج المهدي من أهل بيت النبوة يملأ الأرض عدلا كما مُلئت جورا وظلما ) ١١٢٠/٢

فهذه أديان الأرض ترقب خلاصها بمُخلّصها كلهم يجتمعون في حقيقة واحدة حاشا الإسلام وهذه الحقيقة تكمن في شخصية ( المسيح الدجال ) الذي سيخرج جامعا لهذه الأمم تحت طاعته ربا وحاكما لهم تعالى الله سبحانه وبحمده ..

وليس هذا الانتظار موكولا إلى القدر وأصحابه في ضجيج دنياهم يسمعون صيحة دجالهم وحينها يتأهبون .. بل هناك من يسعى للتمهيد له وصناعة الأجواء المهيأة لفتنته تحت مظلّة منظمة محكمة الربط بكامل الإتقان والغموض تنتشر في العالم خصوصا في هذا العصر الذي هم بأنفسهم يقولون إنه زمنه وسوف يجتمع العالم تحت لوائه وما ( الأمم المتحدة ) التي نراها بعين السياسة إلا أنموذجا مصغّرا لما سيحصل ..

كأني أراك تقول قد أبعد الكاتب النجعة ورمى سهما في فضاء ..

حسنا ..

هذه السلسلة من المقالات – الجزء الأول هنا – ستربط لك الأحداث ربطا معقولا .. لكن انتظر وتربّص بقيّتها ..

المهم أن هناك قوة مركزية تستعد وتعمل للدجال ومجال عملها ونشاط آثامها في المسلمين خصوصا وهذه القوة تستخدم الدول كواجهة لها وهي ممتدة عبر التاريخ وسطع نجمها في هذين القرنين الحاليين .

يقول أحد كبارها وهو ألبرت بايك في كتابه عقيدة الماسونية الاستكلندا وآدابها في تبيين هدف المنظمة ( توحيد العالم في بوتقة واحدة تتوحد بها وفيها عقائدها وأخلاقها … وتصوغ الماسونية صفاتها ومواصفاتها من أجل تهيئة العالم لقدوم المسيا )

فكل العالم يترقب شخصية تحددها عقيدته وحقيقة هذه الشخصيات ذوبانها في شخصية واحدة فالشيطان اخترع الأديان أصلا وتحريفا ثم عمل أولياؤه الماسون في تطويع الأرض له من خلال العلم والتكنولوجيا والطب وسائر الفنون – وسيأتي بإذن الله التدليل على هذا – لسيطرته ونفوذ أمره ..

ومن هنا تعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم ( مابين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال ) فتنته أعظم الفتن ووجه عظمة فتنته أنها على امتداد التاريخ من حيث لا يشعر البشر ففتنة الأديان والأهواء خادمة لفتنته ولذلك يقول ابن تيمية في بغية المرتاد ( ولو لم تُصب فتنته إلا مجرد الذين يدركونه لم يُؤمر بذلك كل الخلق مع العلم بأنّ جماهير العباد لا يدركونه ولا يدركه إلا أقل القليل من الناس المأمورين بهذا الدعاء وهكذا إنذار الأنبياء إياه أممهم حتى أنذر نوح قومه يقتضي تخويف عموم فتنته وإن تأخر شخصه ) (٥١٤)

وتأمل قوله ( يقتضي تخويف عموم فتنته وإن تأخر شخصه )

ولذلك ركّز النبي صلوات ربي وسلامه عليه على فتنته تنبيها على أهميتها وأنها هي الأم التي تتناسل كل فتنة منها فروى أبوداود بسند حسن ( إني قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيتُ أن لا تعقلوا )

فتأمل الإكثار من التحذير كي يعقل الناس خيوط شبكته وفتنته إلى حد عدم العقل ..

ومن جملة صناعة الفتن التي تُمهّد له ظهور الأهواء والبدع فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسند قوي عن حذيفة قوله ( لقد صُنع بعض فتنة الدجال وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لحيّ )

وهذا والله أعلم حين خرج ذاك الرجل الذي قال ( اتق الله واعدل ) فقال له صلى الله عليه وسلم ( إنه يخرج من ضئضى هذا قوم يقرؤون القرآن … ) والحديث في الصحيحين .

وهذا الخارجي قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدجال يخرج في جيشهم ويكون معهم فمبدأ صناعة هذه الفتنة من عهد النبوة حتى يتلقفها الدجال يانعة شابّة ففي سنن ابن ماجه وصححه الألباني قوله :

 ينشأ نشأ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما خرج قرن قُطع حتى يخرج في عراضهم الدجال 

 يعني في جيشهم .. فهدف الدجال دماء المسلمين وتفريقهم ..

وفي هذا المعنى قال بعض السلف ( كل أهل البدع يجتمعون على السيف )
وسأترك هذا المعنى للقارىء الذي إن ربطه ربطا جيدا سيفهم مغزى هذه العبارة العميقة ..

ومن خلال هذه الفتنة الكبيرة نعلم لماذا الاحتفاء في ( المهدي ) والثناء عليه في الأخبار النبوية إلى حد تواتر النقل به مع وجود الأخيار العادلين في الأزمان السابقة .. وهذا يدل على أهمية المرحلة التي سيكون المهدي موجودا فيها وأنه رحمة من الله لصد فتنة الدجال وأن الناس من خلال المؤامرة التي تطيف بهم في عداد الهلكى ولكن الله يبعث رحمته المهدي كما بعث جدّه رأس الهدى في مرحلة زمنية ضرورية لتغيير ملامح العالم كلّه .

فالدجال هو رأس المؤامرة وأمها ومبتدأها ومنتهاها .. وبإذن الله سأبيّن في المقالات اللاحقة من هذه المنظمة التي تعمل له ومدى نشاطها وبصماتها في أرض الواقع وعلاقتها بأخبار الساعة .

إقرأ الجزء الأول:‏ المؤامرة وعلاقتها بأخبار الساعة ( 1 )


بقلم: سائح في الوجود

Leave your vote

Add to Collection

No Collections

Here you'll find all collections you've created before.

منصة راسل
Logo