القيم الأسرية في ظل مواقع التواصل

إن المتأمل في هدي النبوة يدرك كيف حرص الاسلام على سكينة البيوت بتنظيمها ورسم حدودًا وأطر للمحافظة عليها وصيانتها بما فرض من حقوق وواجبات ووضع الآداب والقيم التي تضبط السلوكيات، لأن البيت هو لبنة المجتمع المسلم، ولاستقراره أثر في نفسية ساكنيه وسلوكياتهم، وما ينتج عنهم. والمتأمل في حالنا اليوم يرى كيف اضطربت سكينة البيوت عبر الشاشات فعاثت فيها فسادًا وفتنة، ومن هنا كان لا بد من الرجوع إلى الدين ليكون هو الضابط والرادع لهذه السلوكيات.


وبالحديث عن سكينة البيوت لنتأمل دقة التعبير القرآني حين وصف الزواج أن قال الله عز وجل: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) لتسكنوا إليها ولفظ السكن يشمل الطمأنينة، والقرار، والراحة والسكون والبيت والاحتواء.
إن الرجل بطبيعة الحال يتعرض خارج بيته لما لا يعد من ضغوط ومواقف ومهام الحياة التي باتت تشتد صعوبة وثقلًا، وهنا تقوم الزوجة مقام السكن لزوجها، ليجد فيها سكنه وسكينته، ولو تأملنا الأحاديث لأدركنا لماذا كانت جلّ التوصيات الزوجية منوطة بالمرأة من اهتمام بحسن المظهر والمعشر فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا ) رواه ابن ماجة (1853)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة.
إنما كان هذا لعظيم حق الزوج عليها.
 وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ) رواه مسلم (1467) وابن ماجه (1855)
وصلاح المرأة بأن تكون خير معين لزوجها على نوائب الدهر، واليد التي تشد على يده عند التراخي، لأنها السكن، ولو أقضت المشاكل الزوجية مضجع الرجل في بيته، فكيف نتوقع منه أن يجابه المشكلات الكبرى خارجه، وكيف سينتج، ويؤدي مهمة استخلافه في الأرض كما يجب!


على المرأة أن تبذل قصارى جهدها لأن تقوم بواجبها كزوجة حق القيام، وتوفر البيئة المريحة لزوجها وأبنائها داخل البيت فتلك هي مسؤوليتها الأولى وقد جاء في الحديث: والْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا. ومن هذا أن تمنع كل ما من شأنه أن يزعزع سكينة البيت وطمأنينته. وعلى رأس ذلك حفظ خصوصية البيت، لأن الأصل في العلاقة الزوجية أن تكون محاطة بالخصوصية، فإن كان الاسلام ينهى عن إفشاء الأسرار فإن حفظ أسرار الحياة الزوجية أعظم وأهم لما يترتب عليه من حدوث الخلاف والشقاق والتفكك ولذا حرم الاسلام نشرها إلا فيما شذ عن ذلك من حالات معلومة.
ومن جملة الممارسات الخاطئة في ظل وجود الإنترنت اليوم اطلاع الغير على خصوصيات البيت بنشر الصور واليوميات على مواقع التواصل كالفيس بوك والانستقرام أو السناب شات إلخ، إن للبيت حرمة يجب صونها، ولا ينبغي التساهل فيها، وقد أثنى الله تبارك وتعالى على النساء الصالحات بقوله في كتابه العزيز: (… فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ…)، «سورة النساء: الآية 34»، ناهيك عما تخلقه مثل هذه الممارسات في النفوس، من إثارة حسد وغيرة ووقوع الإصابة بالعين التي عرفها الحافظ ابن حجر فى فتح البارى بقوله: والعين نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر.

لذا كان الأولى أخذ الحيطة والحذر كما نبه يعقوب عليه السلام بنيه (وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ) درءًا لحدوث ما لا تحمد عقباه.


ومن باب آخر لا ينبغي للمرء كشف أسرار بيته ونشر تفاصيل لما يحدث معه، فالأصل في العلاقة بين الزوجين الستر، وقد قال الله تعالى (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ] (البقرة: 187[
واللباس لا يكشف ستر صاحبه، لذا فالأصل كتم الأسرار المنوطة بالعلاقة الزوجية لا كشفها على الملأ، أما اليوم صارت بعض النساء تكشف حال بيتها وتفاصيل عيشها مع وزوجها وأبنائها لكل من هب ودب دون مبالاة أو مراعاة لحق زوجها عليها في حفظ بيته، ومن حفظ البيت حفظ خصوصيته.


ومن مساوئ هذا الاستعراض المذموم التقليد والسعي للتباهي، فالكل صار يريد أن يرى الناس أفضل ما عنده سواء في المأكل أو الملبس أو المسكن تقليدًا، وشغفًا لما يرى من كماليات تنشر في مواقع التواصل، أو تباهيًا وتنافسًا وكأنهم في سباق، ومن أصدق من الله حديثا إذ قال: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ
هذا السعي للتكاثر في الأموال والأولاد وكماليات الحياة من زينة وغيرها إنما يلهي المرء ويشغله عن طلب آخرته.
ولا بأس في السعي للحسن والجمال فهي فطرة جاء في الحديث: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ .
لكن أن يكون ذلك في إطار معقول متزن، وليس فيه طلب للظهور والمباهاة.
أما ما نراه اليوم أن متطلبات الحياة بوجود ما ينتشر ويستعرض في الإنترنت صارت أكثر مما ينبغي وتجاوزت الحد، حتى أثقلت كاهل الرجال. فالمرأة تريد أن يكون لها مثل ما ترى لدى هذه، وأن تسافر مثل تلك، وأن تعيش ما تعيشه أخرى من رومانسيات هي في ظاهرها مختلقة للترويج والإعلام.


ومن الآداب التي راعتها الشريعة في صيانة البيوت أدب الاستئذان كاستئذان الزوجة زوجها في إدخال أي شخص بيته، فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : ( لَا يَحِلُّ لِلْمَرأَةِ أَن تَصُومَ وَزَوجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذنِهِ، وَلَاْ تَأْذَن فِي بَيتِهِ إِلاّ بِإِذنِهِ ) رواه البخاري ( 4899 ) ومسلم ( 1026 ).
تستأذنه في القيام بطاعة (صوم التطوع) فكيف بغيرها من التصرفات التي تحتمل عدم رضاه.

 


ونقل ابن حجر عن النّوويّ: “في هذا الحديث إشارة إلى أنّه لا يُفتأت على الزّوج بالإذن في بيته إلاّ بإذنه، وهو محمول على ما لا تعلم رضا الزّوج به، أمّا لو علمت رضا الزّوج بذلك فلا حرج عليها”
لنتوقف عند قوله وهو محمول على ما لا تعلم رضا الزوج به، ويدخل في ذلك كل ما لا يرتضيه الزوج من تواصل لا ضرورة له، كتواصل الزوجة مع امرأة غريبة عنها بغير علمه، أو تبادل أرقام الهواتف مع من لا يعرف، وفيما لو صرح الزوج بكراهيته دخول شخص معين بيته، فيحرم عليها أن تأذن له، وقياسًا على ذلك إذا منعها من إضافة أرقام هواتف أشخاص لا يعرفهم في هاتفها أو التحدث مع مجاهيل مواقع التواصل وجب عليها طاعته، ولا يجوز لها مخالفة أمره.
إلا أن يكون الزوج قد أذن لها إذنا صريحا، أو كان إذنه عاما، فيجوز لها حينئذ أن تتواصل في حدود ما شرع الله.
كما إن ترك الاستئذان على وجه العموم يترتب عليه مفاسد مثل حصول الريبة والشك وسوء الظن، ولذا كان من باب أمانة الزوجة وحسن أدبها أن تستأذن زوجها في تصرفها وأن لا تقوم بما لا يرتضي دون علمه.

Leave your vote

Add to Collection

No Collections

Here you'll find all collections you've created before.

منصة راسل
Logo