التجديد على مقاس الهوى بين علماء السلاطين وشيوخ النساوين

" ‏التجديد الشرعي هو خلاصة النظر الدقيق في النصوص وربطها بالواقع.. إذا شعرتَ بفتور عن الطاعة، فإياك أن تتخذ من فتورك منطلقا لتجديد شريعة السماء .. ! "

ولذا من عُهد عليه الدعوة للتجديد الفقهي من غير أهل العزائم لم يؤخذ بكلامه لمعرفة أنه يدعو إلى ما يريد فيه أهواءه، فلا فهماً للنصوص فقِه، ولا إدراكا للواقع علِم، فتجده لا يعجن العجين، وإنما يركز جهده على الخبز في مواضع النزاع.

يقول الشيخ الطريفي فرج الله عنه:
" الشريعة جاءت بأدلة كثيرة يستطيع العالم أن يأخذ من الدليل ما يوافق هواه في نازلة يسلم بها ولو ضيع الأمة ".

واتخذ بعض هؤلاء من المنهج رداءً، فتارة يلبسونه ويسمون أنفسهم به، وتارة يطعنون به وبعلمائه، فأشكلوا على عامة الأمة كلام الأئمة بغطاء أصولي خبيث، ولكل زمن منهم رجال فهؤلاء رويبضة هذا الزمان.

قال ابن منظور: "الرويبضة: هو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها، والغالب أنه قيل للتافه من الناس لِربُوضِه في بيته، وقلة انبعاثه في الأمور الجسيمة".

ومما يزيد المشكلة عمقاً ومساحة أن يكون هذا وأمثاله ممن يتناول أمور الجماهير فيساهم في تضليل الرأي العام، وتوجيه العامة إلى مستوى طرحه كتافهٍ قاعد متقاعس، أو على ضعفهم فوُسِّد أمرهم لرويبضة.

لقد هاجَت الدنيا وماجَت، ولم تعد ساكِنة كما كانت، ففي الماضي القريب لا نكاد نسمع إلا العقلاء والفطناء والحكماء هم الذين يرسمون لنا الطريق، أما الآن فقد تكلم الرويبضة فأضاع وأفسد، لا نعلم له اتجاهاً ولا ديناً، يشعل النيران و يعبث في الخفاء، يسير خلف السطحيات ويترك الأولويات ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:
" إنما يفسد الدنيا ثلاثة أنصاف: نصف فقيه، ونصف طبيب، ونصف نحوي.فنصف الفقيه يفسد الدين، ونصف الطبيب يفسد الأبدان، ونصف النحوي يفسد اللسان."

ومن بعض مجموع صفات هؤلاء ما رأته الأمة في الغلاة المارقين وفي المتميعين المجحفين، وإنهم هم الأدعياء الكاذبون، إنهم أئمّة الضلال الذين ابتليت بهم هذه الأمّة، وأتباع الأهواء والشهوات، وقادة الضياع الفكريّ، والانحراف السلوكيّ، والفساد والإفساد الأخلاقيّ في الأرض. يستخدمون علمهم لتبرير الفساد، والتماس الأعذار للسقوط والانحراف، وخلط الحقّ بالباطل، حتّى تضيع معالم الحلال والحرام، والمعروف والمنكر في نظر العامّة ..

فمن يحاجّك منهم بدين الله لا ينفع معه إلاّ أن تحاجّه بالدليل، ومن يحاجّك بمنطق العقل لا ينفع معه إلاّ أن تحاجّه بمنطق مثله، مع سموّ في لغة الخطاب، وأدب في أسلوب الحوار .. أخذاً بالهدي الربّانيّ الكريم : {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..}

وقال تعالى:﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾.

وعليه حدد العلماء للعامة والإضطرابات التي يعيشونها والنوازل التي تحل بهم شروطا للمرجعيات التي تؤخذ منها أمور دينهم بثلاث صفات :
1- تمام العلم وكماله وعلم الطالب بأدلة الشريعة.
2- أن يكون عاملاً فيقرن مع علمه عمله، فالعمل دليل على إصابة الحق.
3- أن يكون متجردا للحق.

فإن دعوات التجديد الفقهي والفكري والشرعي لا تكون في ثوابت الدين وأصوله وفروعه إلا كما كان عليه السلف والأئمة والعلماء من إنزال الأدلة منازلها الصحيحة بمراعاة حال الناس وواقعهم بخلاف واقع اليوم ممن طرقوا مسامعنا بهذه الشعارات لتجديد الفقه والخطاب والفقه السياسي والمفاهيم الحركية لتشويه الحق وتعطيل الأحكام بتأويلات وأمراض نفسية وسلوكية وقلبية حملت أكثرهم على ذلك بقصد أو بدون قصد إلا من رحم الله.

خنافسُ الأرض تجري في أعِنَّتِها ..وسابحُ الخيل مربوطٌ إلى الوتدِ
وأتفهُ الناس يقضي في مصالحهمْ .. حكمَ الرويبضةِ المذكورِ في السنَدِ
فكم شجاعٍ أضاع الناسُ هيبتَهُ ..وكمْ جبانٍ مُهابٍ هيبةَ الأسَدِ
وكم فصيحٍ أمات الجهلُ حُجَّتَهُ .. وكم صفيقٍ لهُ الأسماعُ في رَغَدِ
دار الزمان على الإنسان وانقلبَتْ .. كلُّ الموازين واختلَّتْ بمُستندِ
أمَّا الذين كتاب الله منهجهمْ .. فهُمْ منابرُ إشعاعٍ بلا مَدَدِ
ما ضرَّهم أبداً إسفاف من سفهوا .. أو ضرَّهم أبداً عقلٌ بدون يدِ

[zombify_post]

Leave your vote

Add to Collection

No Collections

Here you'll find all collections you've created before.

منصة راسل
Logo